بين حب مقدس وغزل غير عفــيـــــــــف

صورة المرأة في الشعر العربـــــــــــــــــي

 

 


 

تحتل المرأة على مر الفترات التاريخية مكانة متميزة في وجدان الشعراء العرب ، فبين لوعة وهجاء ، وسعادة وشقاء ، استحوذت النساء على قلوب وألباب الشعراء ، الذين راحوا يطلقون العنان لأقلامهم لترسم صورا بديعة الحسن حينا ، ومغرقة في المعاناة والوحشة أحيانا .

 

وبين هذا وذاك لا يسع متذوقي الشعر إلا الإعجاب والطرب لما يطالعونه من إبداعات الولهين بدءا من مجنون ليلي قيس ابن الملوح ونهاية بشاعر المرأة نزار قباني ، وتفتح شبكة الأخبار العربية "محيط" فيما يأتي ملف صورة المرأة في الشعر العربي لتستعرض خلاله المراحل المتعاقبة على نشأته وتطوره ، فابقوا معنا :

 

المرأة وأزمة الشعر العربي

 

يري البعض أن وضع المرأة في الشعر العربي لم يتغير وظل علي حاله لسنوات طويلة ولم يشهد أي تطور من العصر الجاهلي إلي العصور الإسلامية الأموي والعباسي والعصر الحديث والمعاصر اللهم إلا من بعض محاولات شهدت تطوراً علي يد محمود درويش ونزار قباني .


وقد يري البعض أن الشعر عموماً يواجه أزمة إذ أنه لم يعد يعبر عن واقع المجتمع لأن الشعراء تركوا أماكنهم وسط الناس وتخلوا عن التحامهم بالناس الحقيقيين وسكنوا الأبراج العالية ، وان علي الشعر ليعود إلي طبيعته علي الشعراء أن يتنازلوا عن أبراجهم ويعودوا وسط الناس ليجدد التحامه بالناس والأحداث .

 

وربما مرد ذلك أن أغلب الشعراء كانوا من الرجال فقد حمل شعرهم نفس النزعة الذكورية فلم يصوروا المرأة كمخلوق متساو مع الرجل ... بل قدمها الشعر دائماً في مرتبة أقل من الرجل . وذلك بسب تسلط منظومة اجتماعية سائدة مفادها أن الرجل هو السيد والمرأة مجرد تابع ، وقد رسخ الشعر العربي هذه النظرية في أذهان الكل و بالتحديد خاصة في العصرين العباسي والأموي ، وفي العصر الحديث أيضاً حذا حذوهم العقّاد وغيره .

 

 

ولم يتعرض أحد من النقاد إلي هذه العلاقة إلا في السنوات المائة الأخيرة. حين نشأ تيار الشعراء المناصرين للمرأة عن فهم ، نتيجة ظهور العديد من حركات التحرير التي كان يعج بها العالم والوطن العربي .

 

بل يري العديد من النقاد أن الشعر العربي بشكل عام أغرق نفسه ، وما يزال ، في وصف جزيئات وتفاصيل وجه المرأة وجسدها ، بالشكل الذي يثير رغبات الرجل البيولوجية أكثر من إثارة عواطفه الروحية السامية ، وبالشكل الذي يثير اهتمام المرأة بجسدها وزينتها ومظهرها الخارجي أكثر من اهتمامها بتربية روحها وصقل عواطفها .

 

وقد أسهمت هذه الصورة الإعلامية للمرأة في الشعر العربي في تردي الذوق وانحرافه بشكل واضح ، بل إن الكثيرين يرون أن صورة المرأة كشريك حياة مساو للرجل ورمز للحرية لم تحتل مساحة كبيرة في الشعر العربي ، ولا تزال هذه الصورة تحتل مساحة أقل في عقل العربي بشكل يستحوذ على تفكيره وأفعالة السلوكية الواعية وغير المشروعة .
 
الشعر الجاهلي

موضع تبجيل وتقديس واحترام

 

اقتصر الشعر في العصر الجاهلي علي الاهتمام بما يمكن تسميته "المرأة الحبيبة" مكتفياً بتصوير الحب المادي والعذري , وتفنن الشعراء في وصف جسد المرأة في أول القصيدة ثم الإسهاب في وصف العذاب والألم الذي سببه العشق للشاعر .

 

وقد كانت أغلب قصائد الشعر الجاهلي تدور في هذا الإطار لكن الشعر المعاصر لم يتحدث عن المرأة بحسب لكنه فتح ذراعيه لكل الجوانب الموجودة المحيطة بها والمتعلقة بحياتها الخاصة والعامة , وأصبحت تجربة الحب لدى الكثيرين مجرد محطة أولى تتسم فيها التجربة الفنية بالتقليد , وتصبح فيها لغة الحب نوعا من التنفيس التطهير . 

  

وقد احتلت المرأة في الشعر الجاهلي مكانة متميزة حتى إنه كان من الشائع أن ينتسب الأفراد إلي أمهاتهم ، وقد أسموا آلهتهم الجاهلية بأسماء الأنثى كعلامة علي الإخصاب والخير

 

كانت المرأة وقتها ، موضع الحب والأشوق والوجد و الهوى إلي الحد الذي استهوى البعض لأن يفنى فيها. فقد سئل أعرابي : ممن أنت ؟ " فقال أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا ، فقالت جارية سمعته : عذري ورب الكعبة ، أي أنه من قبيلة بني عذره الذين عرفوا بولعهم الشديد وحبهم للنساء .

 

حتى إنه لم يري في هؤلاء القوم من مات في حب والديه أو ابنه أو بيته أو ماله ، كما كانوا يموتون من عشق النساء


وقد كانت هذه الحالة شائعة عند العرب في ذلك العصر . ونجد في قصائد عديدة ما يوجد في أبيات عروة بن الورد من تعبير عن مشاعر المحب تجاه حبيبته مثل :
 

وأني لتعروني لذكراك هزة لها بين جلدي والعظام دبيب

بنا من جوى الأحزان والبعد لوعة تكاد لها نفس الشقيق تذوب

وما عجبي موت المحبين في الهوى ولكن بقاء العاشقين عجيب


ويقول مجنون ليلى :

عجبت لعروة العذري أضحى أحاديثا لقوم بعد قوم

وعروة مات موتا مستريحا وها أنا ميت في كل يوم

 

أو كما يقول قيس ابن الحدادية :

وأني لأنهي النفس عنها تجمّلا وقلبي إليها الدهر عطشان جائع

وأني لعهد الودّ راع وأنني بوصلك ما لم يطوني الموت طامع

 

ومثل ذلك وربما أكثر في أشعار مجنون ليلى وجميل بثينة وغيرهم كثيرين ، الأمر الذي يؤكد أن الحبيبة كانت تساوي عندهم الدنيا ، فهي السعادة التي تنسي الحزن ، والامتلاء الذي يقتل الفراغ ، والجمال الذي يبعث في النفس إحساسا بالراحة واللذة ، ومعها وبها تكون الحياة أكثر جمالاً وتآلفًا .

 

حتى إن الرجل العربي وقتها كان في ذلك الزمان يفتخر ويجاهر بأنه يحب ويهيم عشقاً في محبوبته ، وهو سلوك كان له أثره على الرجل نفسه ، وعلى طبيعة العلاقة بين الرجل و المرأة وقتها ، وعلى نظرة الرجل للمرأة ، بل وعلى مكانة المرأة لدي المجتمع ، فكون المجتمع وقتها كان يقبل بإعلان الرجل حبه والمجاهرة به كان يدل علي وجود نوع من الحرية يسمح بوجود اختلاط الرجال والنساء أدي إلي تكوين علاقات كان ينتهي بعضها بالزواج، لكن بشرط أن لا يجهر الرجل باسم حبيبته، كما كان مع قيس وليلى وقصتهما معروفة للجميع

  

كان الشاعر في ذلك الوقت يتمسك بحبيبته تمسكه بالحياة . لا يتخلي عنها مهما تكبد في حبها مشقة ، يقول زهير بن أبي سلمى :

 

فلست بتارك ذكري سليمى وتشبيبي بأخت بني السعدان

طوال الدهر ما أبتلت لهاتي وما ثبت الخوالد من أبان

أفيقا بعض لومكما وقولا قصيدكما بما قد تعلمان

فاني لا يغول النائي ودي ولا ما جاء من حدث الزمان

 

وقد كان حب الفرسان الشجعان لزوجاتهم حباً فاق الوصف والتصور ومن ذلك ما أنشده عنترة لعبلة

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسّم

 

وكان لا يخاف الموت إلا لأنه قد يبكي عينيها ،

ومن ذلك قوله:

يا عبل لا أخشى الحمام وإنما أخشى على عينيك وقت البكاء

 

وقد عرف تعدد الزوجات في الجاهلية لكن أغلب العرب لم يميلوا إليه بل إن بعضهم أنشد شعراً يصف فيه حاله عندما تزوج من اثنتين يقول :

 

تزوجت اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوج اثنتين

فقلت أصير بينهما خروفا أنعم بين أكرم نعجتين

فصرت كنعجة تضحي وتمسي تداول بين أخبث ذئبتين

رضا هذي يهيج سخط هذى فما أعرى من إحدى السخطيتين

لهذي ليلة ولتلك أخرى عتاب دائم في الليلتين

فأن أحببت أن تبقى كريما من الخيرات مملوء اليدين

فعش عزبا فأن لم تستطعه فضربا في عراض الجحفلين

 

وكانت معظم حالات الحب الشائعة أو الخارقة ، وحالات العشق تولد لتنتهي نهايات أليمة

 

كما انتهت قصة الحب الشهيرة لامرئ القيس الذي ارتدى حلة قشبية مطرزة بالذهب ولكنها كانت مسمومة ، فأدت إلي تساقط لحمه . وانتهت قصته بالموت مقتولا لأنه أحب ابنة القيصر ، وقد دفن فوق قمة جبل ( عسيب ) بجوار فتاة من بنات الملوك قتلها الحب أيضا وهناك كتبوا على قبره قوله :

 

أجارتنا أن المزار قريب وأني مقيم ما أقام عسيب

أجارتنا أنّا غريبان ها هنا وكل غريب للغريب نسيب

 

وقد سار عمر بن أبي ربيعة كما يقول الدكتور طه حسين في كتابه " حديث الأربعاء " علي درب امرئ القيس فانسابت في شعره نفس العبثية التي صاغ فيها نفس البناء القصصي ونفس النهل من المعجم البلاغي والاصطلاحي له و التي نسجها " في انسلاله إلى خِدر الحبيبة دون أن تمنعه عين كاشح واشٍ من الوصول إليه ، بُغية إقامة ليلة ، ثم ينسل كالحباب مع خيوط الفجر الأولى، وما أحد من الناس يعرف ...ولكن إذا كان امرئ القيس ملكا ضليلاً فقدَ عرشه، فإن عمر قد انتصر له بعد زمان، فحافظ على العرش وتزيّا بزيِّه، دون أن يتربع عليه، لأن دورا آخر مع المرأة ينتظره

 

. فهذا عمر بن أبي ربيعة دخل خِدر "نعم" في ثوب امرئ القيس حين دخل خِدر "عنيزة" وحين حمله الشوق إليها، فانساب بين الخيام انسيابَ الحُباب حتى أدركها فتولَّهت ثم لانت، فهدّأ من روعها..

. قال عمر بن أبي ربيعة:.

. وخفض مني الصوت أقبلت مشية * الحُباب وشخصي خِشية الحي أَزوَرُ.

. فحَيَّيتُ إذ فاجأتها فتولَّهت * وكادت بمكنون التحية تُجهر.

. وقالت وعضَّت بالبنان فضحتني * وأنت امرؤ ميسور أمرِكَ أعسَرُ.

. إن هذه الأبيات تنسجم كليا مع ما جاء به امرئ القيس في معلقته حين قال :.

. سموت إليها بعد ما نام أهلها * سُمُوَّ حُباب الماء حالاً على حالِ.

. فقالت سَباكَ الله إنَّكَ فاضِحي *ألست ترى السُمَّار والناس أحوالي..

. وقد تجسدت هذه الدنجوانية في قرب الشاعر من معشوقته وملامسة جسدها كذات وبذلك يتحطم التمثال ويجري نبذ المعشوقة للبحث عن تمثال آخر لا زال لم يتحوّل إلى واقع حي عند الشاعر..

 

أما امرئ القيس فإحساسه الرهيف بكل ما في نظرة المحبوبة من عطف وحنان قد أثَّر في وِجدانه الشعري بالاستجابة والتفاعل من تذوق الجمال وسُمو الرُّؤية الحسِّية، " لكننا حين ننشد التعبير عن هذه العين الجميلة الواسعة ، وهذه النظرة العميقة النافذة، وهذا الحنان الذي يشع منها والعطف الذي يفيض عنها لا نجد عند الشاعر غير نظرة بقرة وحشية مُطْفِل من وحش وجرة "


ويعود عمر بن أبي ربيعة للتعبير بالصورة الخارجية الجافة عن طراوة العاطفة الداخلية في وصف مشية المرأة .

 

. بيضا حِسانا خرائدا قُطُفاً * يمشين هَوْناً كمشية البقر . .

. وفي وصف امرئ القيس لطول أصابع صاحبته وجمال تكوينها ونعومتها وطراوتها حيث" وقف يتأملها، وتمثلت له تعبث في عالمه النفسي وتستثير مشاعره تضغطها أو تفرج عنها، بهذه الأصابع، كيف تشاء...فلمّا جاء يعبر عن ذلك كله كان كل ما وجد حوله أساريع ظبي أو مساويك إسحل". .

)من كتاب الأغاني للأصفهاني(

 

وصف الجسد في الشعر الجاهلي

 

نظرا لمكانة المرأة في المجتمع العربي في الجاهلية فقد أجاد الكثير من الشعراء في وصف مفاتنها ابتدءا من الصدر والنهد، الخصر ،البطن، الردف ثم الفخذ لينطبع في الأذهان التناسق الجسدي للصورة الشعرية للمرأة مع تناسق الطول والقد.

 

الصدر والنهد:

 

 

وصف الشاعر العربي صدر المرأة فجعله مثيرا وفاتحا للكون الجنسي وشهيا تتجاوز حدوده العالم الحسّي، فشبهوه بالرمانة في استدارته، وبحُق العاج لصفائه وبياضه، وبالحمام وبالمرمر ،وبالثمار، وقد سمَّى بعضهم النهدين ثمارا لنحور ، وسُميت المرأة بأسماء شكل نهديها، فالكاعب التي كان نهداها في أول بروزهما، والناهد غيرا لكعوب من حيث كبر النهدين، وقد جاء ذكر( الكواعب الأتراب) بالقرآن الكريم.

 

أما الجميل من الحلمات ما كان نافرا ورديا، تُسمّى نقطة العنبر، يقول النابغة الذبياني:

والبطن ذو عُكَن خميص ُُُ طيّه * والصدر تنفجه بثدي مُقعد

 

الخــصـر:

 

أحب العرب من الخصور الضّامر والنحيل والناعم وهو الحزام الأنثوي الذي يفصل بين عقل الاشتهاء واشتهاء العقل ، بين أعلى الجسد وبين ما أسفله أعباؤه لا حصر لها،فهو بحمل صدرا بارزا و مكتنزا ونهدين يفيضان بالحلم والشهوةـ، ومشدود بردفين عظيمين مستديرين يمنحان الناظرين عشق الحياة.

 

قال ابن الدمينة:

عقيليّة ،أما مَلاتُ إزارها * فدِعْصُ ،وأما خصرها فبتيلُ ُ

)دعص= قطعة مستديرة بتيل= ضامر(

 

وقال ابن الرومي:

وشربت كأس مدامة من كفها * مقرونة بمدامة من ثغرها

وتمايلت فضحكت من أردافها * عجبا ولكني بكيت لخصرها.

 

الـبـطن :

 

تولّه العرب واحتل وجدانهم الشعري السمين والممتلئ من جسد المرأة فشبّهوا البطن وطيّاته بالأقمشة وبالأمواج المترقرقة، ثم ما لبث الذوق أن تحوّل إلى محبّة البطن الضامر، قليل الارتفاع، ففي البطن مكمن أخاذ من مكامن الإثارة والاشتهاء، إنه السُّرة، والواسعة منها رسمها بعض الشعراء وصفا بمُذهُنُ العاج، إشارة إلى اتساعها وقالوا: إنها تسِع أوقِية من المسك.

 

وقال النابغة الذبياني :

والبطنُ ذو عُكَنٍ لطيف طيُّه * والنَّحر تنفُجُهُ بثَذيٍ مُقعدِ

 

وقال عنترة بن شدّاد :

وبطن كبطن السّابريّةِ ليِّن * أَقَبُّ لطيف ضامرُ الكشحِ مُدمَجُ .

 

 

الـرّدف :

 

الرّدفان هما بُؤرة الشهوة عند العربي ، وأكثر ما تمتاز به المرأة في المخيال العربي، وقد أحب العرب الأرداف الضخمة الممتلئة وكانت عندهم فُسحة مُضيئة في خريطة الجمال والأنوثة والرغبة لديهم، وقد شبّهوا الردفين بكثيب الرمل ، بالدعص ،وبالموج ، يقول النابغة الذبياني:

مخطوطة المتنين،غير مفاضة * ريَّا الروادف ، بضّة المتجرّد .

 

ويقول جميل بثينة:

مخطوطة المتنين مُضمَرة الخَشا * ريَّا الروادف، خلقها ممكور.

 

ويقول عمر بن أبي ربيعة:

خَدَلَّجَة اذا انصرفت * رأيت وشاحها قلقا

وساقا تملأ الخُلخـــا * لَ فيه تراه مُختَنقا.

 

الـفـخذ :

 

أما الفخدان ، ففيهما الإغواء والإغراء والشهوة ، فهما تفضيان إلى مكامن السحر والجمال ، ولذا كانت الفخذ الجميلة هي اللَّفاء المكتنزة ، تتناسق مع عظم الردف وتدويره وقالوا إنه أنعم من الحرير وألين من الزبد، والساق المثال عندهم هي الساق الرّيّا الممتلئة القوية .

 

وشبَّهوا الساقين بعمودين من المرمر .

 

يقول النابغة الذبياني:

سقط النضيف ولم تُرد إسقاطه * فتناولنه واتَّقَتنا ،بالــــيد

بمخضَّب رخص كأن بنانــــه * عنم على أغصانه لم يُعقد

 

ويقول امرئ القبس:

وكسح لطيف كالجديل مُخضَرّ * وساق كأُنبوب السقي المُذَلَّل.

لقد نظر العربي إلى هذه الأوصاف الجسدية في تناسقها وهي تشغل حيزا في الفضاء فاعتبر حركة المرأة عنصرا من عناصر الفتنة والإغراء دلالها له مغناطيس وجاذبية بخلاف السكون الذي يعطل الإثارة ويجمّد تضاريس الجسد ، وقد جاء الشعر ناتئا بأوصاف تُمجد الحركة في الأنثى حيث وصفوها بغصن البان ، حقف النّقا، المهاة ،مسير الغمامة ،خطو القطا والنعام .

 

 

العصر الأموي والعباسي

 

 

يري العديد من المحللون أن المرأة في العصر الجاهلي كانت تتمتع بالعديد من المزايا والحقوق فقدت أغلبها في العصرين الأموي والعباسي ويرجع ذلك إلي سيطرة الرجل وفساد الحكام .. أي رجل السلطة في سلب ما كانت تتمتع به المرأة من امتيازات ، على محدوديتها .

 

 

فالرفاهية التي شهدها الحكام والأمراء في هذين العصرين وزيادة الأموال في أيديهم جعلتهم يقتنون الجواري من كل الجنسيات حتي نشأ لديهم هوس اقتناء الجواري والحريم ومن هنا نشأ حصار المرأة

 

وتحولت إلي سلعة تباع وتشتري من قبل الرجل واستسلمت لذلك قروناً خسرت فيها الكثير من مكانتها وظهر ذلك واضحاً في الشعر الذي نعرفه عن هذين العصرين فالمتنبي الذي يعد أشهر شعراء هذه المرحلة كان يري المرأة مخلوق ناقص بطبيعته فيصف أخت سيف الدولة ويقول عنها إنها ليست أنثى العقل والحسب ، ومعنى ذلك إن الأنثى عنده أقل مرتبة مثل قوله :

 

وان تكن خلقت أنثى لقد خلقت كريمة غير أنثى العقل والحسب

وشبه الدنيا بالمرأة من حيث الغدر والخيانة ويتساءل :

شيم الغانيات فيها فلا ادري لذا أنّث اسمها الناس أم لا

 

وفي كتاب البرقوقي "دولة النساء" والذي يدور حول المرأة وكيف تحول دورها ووجودها إلي مجرد جسد لم يخلق إلا لمتعة الرجل ، رغم أن أغلب النافذين في السلطة وقتها كانوا يفعلون ذلك سراً ويجاهرون بتقليلهم من شأنها وتحقيرها وهو مالا يتفق تماماً وتعاليم الإسلام

 

 

ولذلك شاع اقتناء الجواري وبالتالي فقد أهمل الرجل زوجته ، وأصبح ذوقه متدنيا في المرأة ، لأنه ارتبط بمتعة آنية مع جارية طارئة ، فركّز في موضوع المظهر . وتفنن الشعراء في وصف تفاصيل مظهر المرأة أهملوا جوهرها، مما أفسد الذوق لمئات السنين . ويبدو أن هذه الظاهرة قد أفسدت ذوق حتى الشعراء من الزاهدين أمثال الشاعر أبو العتاهية . فقد وصف عتبة جارية المهدي التي ولع بها كثيراً بقوله :

 

كأنها من حسنها درة أخرجها اليّم إلى الساحل

عيني على عتبة منهلة بدمعها المنسكب السائل

بسطت كفي نحوكم سائلا " فمتى " تردون على السائل

 

وهكذا كانت نظرة الشعراء للمرأة متخلفة متدنية عكس ما كانت عليه مكانتها في الشعر الجاهلي خاصة في العصر العباسي الذي يعده المتخصصون البداية الحقيقية لقهرالمرأة وتدهور مكانتها

اقرأ قول أبن الرومي :

 

أعانقها والنفس بعد مشوقة إليها وهل بعد العناق تدان

والثم فاها كي تموت حرارتي فاشتد ما ألقى من الهيجان

 

وفي دراسة للدكتورة فاطمة تجور من منشورات اتحاد الكتاب العرب لعام 1999تقول فيها " ومما يلفت النظر حرص الشعراء على مناداة زوجاتهم أو تسميتهن أم فلان، فما أكثر ما ترددت هذه الصيغة في أشعارهم، فكأنما كانوا يتلذذون بها ويستمتعون لما يستشعرونه فيها من فيض العاطفة وصدق الإحساس، وهي صيغة تتشابك فيها وتتداخل مشاعر الأبوة والأمومة والزوجية، وتحيل على صلة رحم واشجة رعاها الإسلام وعمرها بالتراحم والود والتعاطف. بيد أننا ينبغي أن نحترس فلا نظن أن كل من استخدم هذه الصيغة أو هذا النداء كان يتحدث عن زوجه، فربما كان يكني -لسبب أو لآخر- بهذه الصيغة عن حبيبته.

 

 

ولكن مثل هذا المسلك لا ينفي عن هذه الصيغة عاطفيتها، ولا يجردها من حيويتها وبهائها لأن هؤلاء الشعراء يخاطبون محبوباتهم بأقرب الصيغ إلى نفوسهن، بل بأقربها إلى الذوق العربي السائد. فنسمع المتوكل الليثي يقول:

 

 

إذا ذُكِرَتْ لقلبِكَ أمُّ بكرٍ

يَبيتُ كأنما اغتبقَ المداما( )

 

ويسميّها أم أبان:

خليليَّ عوجا اليومَ وانتظراني

فإنَّ الهوى والهمَّ أمُّ أبانِ( )

 

وتبدو صفحة الأمهات في ديوان المداحين نقية بيضاء، ولا سيما أمهات الخلفاء والحكام ورجال السياسة، فقد اتخذ هؤلاء الشعراء من صفاتهن الأخلاقية كالتدين والشرف والحصانة، ومن أحسابهن وأنسابهن مادة شعرية خصبة. ففي

 

تعد صورة الحبيبة أو الزوجة الصورة الغالبة على صفة المرأة في هذا الشعر، فقد كانت مفتاحاً للحوار الشعري والمباهاة الشخصية، وملهمة الإبداع الشعري، مما يدل على المكانة الرفيعة التي وصلت إليها المرأة في هذا العصر، بعد أن تبوأت مكانة عالية في عصر صدر الإسلام، الذي يعد بحق منصف المرأة العربية.

 

 

"فقد رفع الإسلام مكانة المرأة وأعلى من منزلتها، وحررها من القيود والعادات التي كانت شائعة في الجاهلية، ورد لها حقها المسلوب في الحياة، وقرر لها حقوقهاً لم تكن تعرفها من قبل فجعل لها حقاً مشروعاً في الميراث وحقق لها الاستقلال الاقتصادي .

 

 

وجعل للزواج أحكاماً ووضع للطلاق وتعدد الزوجات قيوداً وقرر للزوجين من الحقوق والواجبات المتبادلة ما به تحسن المعاشرة وتقوى الرابطة( )"

 

 

وما إن استقر العصر الأموي حتى شرعت المرأة تفيد من حقوقها وامتيازاتها التي كفل لها الدين، فمضت تشارك في مختلف مجالات الحياة ولاسيما تلك المجالات التي تمسّ شؤونها الذاتية والخاصة. فقد كانت تستشار في أمر زواجها، ويؤخذ برأيها فيه، ونراها تعترض على الزواج غير المناسب فترفضه، أو تشترط له شروطاً كأن تكون العصمة في يدها، فلا يحملها ولي أمرها على غير ما تحب، بل يرى رأيها. وقد سجل الشعراء أطرافاً من ذلك، فصوروا رفضها وما جرّه هذا الرفض عليهم من الهم والسهاد وانكسار القلب.

 

 

فها هوذا محمد بن بشير الخارجي وقد قدم البصرة في طلب ميراث له، فخطب عائشة بنت يحيى بن يعمر الخارجية من عدوان فأبت أن تتزوجه إلا أن يقيم معها بالبصرة ويترك الحجاز، ويكون أمرها في الفرقة إليها، فيأبى أن يفعل ذلك ويقول:

 

 

أرقَ الحزينُ وعادَهُ سُهُدُهْ

لطوارقِ الهمِّ التي تَرِدُهْ

 

 

وَذَكَرْتُ مَنْ لانَتْ له كبدي

فأبى فليسَ تَلينُ لي كَبِدُهْ

 

وأبى فليس بنازلٍ بَلدي

أبداً وليس بمصلحي بَلدُهْ

 

فَصَدَعْتُ حين أبى -مودَّته

صَدْعَ الزجاجةِ دائمٌ أَبَدُهْ( )

 

وكان محمد بن بشير قد صحب رفقة من قضاعة إلى مكة، وكانت فيهم امرأة جميلة يسايرها ويحادثها، فخطبها إلى نفسها فقالت: لا سبيل إلى ذلك لأنك لست لي بعشير ولا أنا ممن تطمعه رغبة عن بلده، فلم يزل يحادثها حتى انقضى الحج، وفرق بينهما نزوع كل منهما إلى وطنه، وتعلقه به. فقال يذكر ما كان من أمره معها:

 

 

أستغفرُ اللهَ ربي من مُخَدَّرةٍ

يوماً بدا ليَ منها الكشحُ والكَتَدُ

 

من رفقة صاحبونا في ندائهمُ

كُلٌّ حرامٌ فما ذُمُّوا ولا حُمِدُوا

 

إلى أن يقول:

أَقْبَلْتُ أسأَلُها ما بالُ رفقتِها

وما أُبالي أغابَ القومُ أم شهدوا

 

فقرَّبتْ ليَ واحلولَتْ مقالتُها

وخوَّفتْني وقالَتْ: بعضَ ما تجدُ

 

أنّى ينالُ حجازيٌّ بحاجتهِ

إحدى بني القين أدنى دارِها بَرِدُ( )

 

ظهر في عصر النهضة العربية كتاّب وشعراء عرب بدءوا حملة تثقيف للمرأة ودعوا إلي مناصرتها وتحررها . وبرزت في هذه الفترة ثلاث شاعرات طليعيات هن : عائشة التيمورية ، ووردة اليازجي ، وزينب بنت فواز العاملية ، في حين لم تظهر منذ العصر العباسي وحتى القرن التاسع عشر سوى شاعرة واحدة متصوفة هي رابعة العدوية .

 

 

والاحتمال كبير بأن هناك شاعرات كثيرات لم يبرزن بسبب الواقع المتخلف للمرأة في تلك المرحلة .

 

 

 

 

عائشة التيمورية " التي توفيت عام 1902" لها ثلاثة دواوين وهي لم تنزع الحجاب وهي من قالت :

يا بغية الصب رفقا بالفؤاد فقد أشجاه ما بك من تيه ومن ميل

بالصد ألهبت قلبا أنت ساكنة هلا عطفت على سكناك يا أملي

 

وردة اليازجي وهي ابنة العلامة ناصيف اليازجي ، فقد كتبت شعر الغزل بحرية أوسع وصراحة أوضح :

 

مني السلام من صار بالسحر وبدل النوم بعد العين بالسهر

هذا السلام إليه اليوم أبعثه مضمخا بشذاء العنبر العطر

غاب الحبيب وما غابت مآثره عنا فأردف ذاك الخير بالخير

إن كان قد بان من عيني فلا عجب إذا اعتبرت فهذي عادة القمر

من ذا الذي فرق الأحباب يجمعهم ولا يعود يرينا حالة السفر

وقد توفيت وردة عام 1924

 

أما الشاعرة اللبنانية زينب بنت فواز العاملية" والتي توفيت عام "1914 فلها ديوان شعري فيه غزل رقيق يدلل على جرأة صاحبه :

 

سرى غرامك في قلبي وفي جسدي لذاك آثر إشعاعا وإحراقا

كلي بكلك مشغول ومرتبط فلست أشكو إلي لقياك أشواقا

وأصبح القلب من وجد يذوبّه نور الشبيهة تهياماً وإشفاقاً

 

وقد كانت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان قد رأت أن حرية المرأة مجرد زائف في مجتمع لا يعرف معني الحرية

 

فدوى طوقان فلسطين.

 

 

تقول فدوى:

الهواء الثقيل يكتم أنفاسي

يغلّ دفق شعوري

كلما ضقت بالظلام وبالكبت، تلفت مثل طير مكبل

علّ فجر الخلاص يلمح، لا شيء سوى الليل

ليل سجني المقفل

وإذا انشق باب سجني أطلت

منه عينا وحش رهيب كبير

 

هنا كانت الشاعرة صادقة ومتسقة مع نفسها بشكل واضح جداً فقد صورت المجتمع كأنه وحش لا يرحم .

 

 

 

*بين الإغراء والطهر.. ازدواجية الرجل الشرقي

 

مع بداية الخمسينات من القرن الماضي بدأتْ حركة التحرر العربية تـشق طريقها بخطوات سريعة لتحقق الانتصار تلو الآخر ، ترافق مع تغيرات كبيرة في مجمل الوعي العام العربي و الإيديولوجيات السائدة وقتها والتي تمثلت بالدرجة الأولى في الوعي بضرورة التغيير ، ونشأت تبعاً لذلك قضايا عديدة على الساحة العربية كانت تعني في مجملها تحقيق الوحدة العربية و النهضة والعدالة الاجتماعية وما إلي ذلك .

 

وفي إطار هذه القضية خِضم هذه المشاريع المتنوعة كان لقضية المرأة موقعاً مهماً من حيث إعادة النظر في دورها في المجتمع و المساحة المتاحة لها للتعبير عن نفسها و علاقتها بالرجل ، فأخذتْ مختلف أطراف الطيف السياسي و الفكري تدلو بدلوها فيما يتعلق بتصورها لحل قضية المرأة .

 

ولأن الشعر هو أعرق الفنون عند العرب علي الإطلاق ، فقد شكل جهة لصراع الأفكار و الاحتمالات التي ظهرت علي الساحة السياسية العربية ، وكانت المرأة في هذا الوقت قد بدأت في الدخول إلي عالم الشعر بشكل يختلف عن الصورة التقليدية التي عرفت عنها في الشعر العربي ، إذ أن المضمون كان يعني حرية المرأة وتحقيق المساواة :

 

عند أمل دنقل

أمل دنقل الشاعر اليساري الراحل الذي انخرط في مسيرة الحداثة الشعرية العربية في ظل تلازم واضح بين الهم السياسي و الهم الإبداعي لتغدو الكثير من قصائده علامات فارقة في الحداثة الشعرية ، ورغم ما تميز به أمل دنقل من وعي بدا جلياً في تناوله لكافة ما أحاط به من صرا عات خاصة الصراع مع العدو الإسرائيلي ، إلا أن تناوله للمرأة في أشعاره لم يرقي إلي نفس درجة الوعي وقد أرجع النقاد ذلك إلي كونه لم يستطع التخلص من جذوره الريفية التي تعتبر المرأة مصدر للغراء وحسب رغم ظهور الحبيبة الطاهرة المقدسة في أشعاره وهي الازدواجية التي يعاني منها الرجل الشرقي يقول أمل :

 

نزار قبانى الشاعر الراحل

 

 

يهتز قرطها الطويل

يراقص ارتعاش ظله

على تلفتات العنق الجميل

و عندما تلفظ بذر الفاكهة

و تطفئ التبغة في المنفضة العتيقة الطراز

تقول عيناها : استرحْ

و الشفتان شوكتان

 

تقتصر صورة المرأة في قصائد شعراء المقاومة على صورة أم الشهيد أو أخت الشهيد أو في الصورة المثالية التي استخدمها شعراء المقاومة كثيراً و هي صورة المرأة الوطن ، و على الرغم مما امتلأت به هذه الاستخدامات من جماليات لا متـناهية لكن ذلك لا يمنعنا من انتقاد شعراء المقاومة في عزوفهم عن تـناول المرأة كمرأة بصرف النظر عن أي اعتبار آخر ككائن له مقوماته الإنسانية و خصوصيته الأنثوية ، و كأن ردّ الاعتبار إلى المرأة و منحها موقعها الصحيح يتطلّب الانتظار ريثما تُحرَّر الأرض المحتلة

 

كما يقول الشاعر سميح القاسم في قصيدته ليلى العدنية

شاءها الله شهية !

شاءها الله .. فكانتْ .. كبلادي العربية !

شعرها ليلة صيفٍ بين كثبان تُهامهْ

مقلتاها ... من مُهاةٍ يمنيه

فمها ... من رطب الواحة في البيد العصيّة

عنقها زوبعة بين رمالي الذهبية

صدرها نجد السلامة

يحمل البشرى إلى نوحٍ ،

فعودي يا حمامه !

و لدى خاصرتيها بعض شطآني القصية

شاءها الله كبلادي العربية !

نكهة الغوطة و الموصل فيها .

و من الأوراس .. عنف و وسامهْ

و أبوها شاءها أحلى صبيهْ

شاءها اسماً و شكلا

فدعاها الوالد المُعجَبُ ليلى

و إليكم أيها الإخوان ... ليلى العدنية !

 

في شعر محمود درويش

 

وحين يذكر الشعر المعاصر نذكر علي الفور شاعرنا الكبير محمود درويش الذي استطاع بسبب عدة عوامل تعرض لها وبسبب زخم التجربة التي مر بها من إسار الهدف النضالي بمعناه المفروض فرضاً على القصيدة و بمعناه الإيديولوجي لتصبح قصيدته قصيدة الإنسان بالدرجة الأولى .

 

وفي شعر محمود درويش سنجد أن صورة المرأة تطورتْ تدريجياً لديه منذ بداياته التي كان تناوله فيها للمرأة التي لا يختلف مع ما ظل سائداً ، والعديد من النقاد يعتبرون محمود درويش شاعر شديد التميز في قصيدة شتاء ريتا " والتي يقول فيها :

 

(( ريتا تحتسي شاي الصباحٍ

و تقشّر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ،

و تقول لي :

لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبولُ

و الحرب ليستْ مهنتي . و أنا أنا . هل أنتَ أنتَ ؟

أنا هوَ،

هو من رآك غزالةً ترمي لآلئها عليه

هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير

هو من رآنا تائهين توحّدا في السرير

و تباعدا كتحية الغرباء في الميناء ، يأخذنا الرحيلُ

في ريحه ورقاً و يرمينا أمام فنادق الغرباءِ

مثل رسائلٍ قُرِئتْ على عجلٍ ،

أتأخذني معكْ ؟

فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخذني معكْ

فأكون ثوبك في بلادٍ أنجبتكَ ... لتصرعكْ

و أكون تابوتاً من النعناع يحملُ مصرعكْ

و تكون لي حياً و ميتاً ،

ضاع يا ريتا الدليلُ

و الحبُّ مثل الموت وعْدٌ لا يُردُّ ... و لا يزولُ

 

وعالم محمود درويش الشعري يدور غالباً حول رمزين الأرض و المرأة وكلاهما رمز للخصوبة والقدسية والطهر

 

ففي ديوانه أعراس يقول محمود درويش :

عاشق يأتي من الحرب إلى ليل الزفاف

يرتدي بدلته الأولى ويدخل

حلبة الرقص حصاناً

من حماس وقرنفل

وعلى حبل الزغاريد يلاقي

فاطمة

وتغني لهما

كل أشجار المنافي

ومناديل الحداد الناعمة

أنا الأرض

والأرض أنت

خديجة

لا تغلقي الباب

لا تذهبي في الغياب

 

ورويدا رويداً تحولت الحبيبة إلى حلم ، فالشعراء في معظم الأحيان كانوا يتنفسون من خلال قراءاتهم في تصوير علاقتهم بالمرأة بسبب افتقادهم إلى علاقات حقيقية مع الأنثى كونهم ينتمون لمجتمع شرقي منغلق ،لكن ذلك لم يمنعهم من التعبير عن المرأة كمخلوق له حق يماثل حق الرجل في الحياة

 

في قصيدته أنشودة المطر يقول بدر شاكر السياب :

عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السَحَرْ

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبسِمانِ تورقُ كالأقمار في نَهَرْ

و ترقص الأضواء وهناً ساعة السَّحرْ

كأنما تنبض في غوريهما النجومْ

 

ورغم كل ما سبق من جمال وروعة إلا في وصف المرأة بشكل جميل يفيض رقة وعذوبة إلا إن ذلك لم يمنع تحوّل المرأة لدى عدد كبير من المثقفين إلى مكمل من مكملاتهم التي يقتنونها معهم من مكان إلي آخر مثلما يحملون أمتعتهم ، فالمرأة مثلاًً عند مظفر النواب لم تكن أكثر من لحظة متعة ينسي بها متاعب طريق النضال الوعر فهي كالكأس أو السيجارة والأرض، والوطن، والرحيل وبقية المكملات الأخرى ...

 

وحين يذكر المرأة والشعر نذكر علي الفور سعاد الصباح التي قدمت في قصيدة "كن صديقي " صورة مختلفة لعلاقة المرأة و الرجل بشكل مغاير للشكل النمطي الذي ظل سائداً تقول فيها :

 

كم جميلٌ لو بقينا أصدقاء

كم جميلٌ .. أن كل امرأةٍ تحتاج إلى كف صديق

كُنْ صديقي .. كُنْ صديقي

لماذا تهتمُّ بشكلي و لا تدركُ عقلي

كُنْ صديقي .. كُنْ صديقي

أنا محتاجةٌ لميناء سلامْ

و أنا متعبةٌ من قصص العشق و أخبار الغرامْ

فتكلّمْ .. تكلّمْ

لماذا تـنسى حين تلقاني نصف الكلامْ

كُنْ صديقي .. كُنْ صديقي

ليس في الأمر انتقاصٌ للرجولة

غير أن الشرقيَّ لا يرضى بدورٍ غير أدوار البطولة

 

المرأة في شعر نزار قباني

 

وحين تذكر المرأة في الشعر المعاصر ، يتوارد علي الذهن فوراً شاعر المرأة "نزار قباني " و في كتابها "المرأة ولعبة الحرف فى شعر نزار قباني" الصادر عن دار محمد على الحامى بتونس 2001، 165 صفحة

 

تؤكد المؤلفة رفيقة البحوري ما قاله يوماً جبرا إبراهيم جبرا يومًا.. "الكثير من شعر هذا العصر سينقرض، والكثير من الأسماء اللامعة فيه ستنسى. ولكن اسمًا واحدًا يكاد المرء يجزم ببقائه " نزار قباني" ومبرراتها أن نزار حقق واحدة من أهم وظائف الشعر.. "تلك التي تقرن بين شاعر وعصر، وشاعر وأمة". تتابع المؤلفة في دراستها تلك رصد نزار قباني لتحولات واقع المرأة بوصفها جزءًا من التغيرات التي طالت الواقع العربي، وترى أن رصده هذا الذي امتد نحو نصف قرن كان جريئًا ومناصرًا ومشجعًا، فمن المرأة التي خرجت لتوها من أقبية الحريم إلى الفضاءات العامة. إلى المرأة التي تبحث عن ذاتها وتصارع الضغوط النفسية والاجتماعية، إلى المرأة التي تخلصت من عقدة الحريم وأقامت علاقة متكافئة مع الرجل.

 

والدراسة تبحث في ملامح صورة المرأة في شعر نزار قباني واختلاف هذه الملامح وأسباب الاختلاف، وتشير إلى سبب مباشر هو العلاقة التي أقامها الشاعر مع المرأة.. "ولا نقصد بذلك علاقة نزار قباني الإنسان بحبيبته أو حبيباته، وإنما نقصد علاقة نزار الشاعر بالمرأة الموضوع الفني الذي أولاه اهتمامه، والكائن الاجتماعي الذي تعاطف معه ودافع عن قضيته". في هذا الإطار

وعلي المستوى الفني ترى المؤلفة أن نزار وإن كان شعره حديثًا فإنه لم ينحز

 

إلي الحداثة التي سيطرت على الشعر العربي منتصف القرن العشرين، فنهج نهجًا مختلفًا فلم يغرق في الرمز ولم يسع إلى القطع مع التراث الشعري العربي القديم،

 

وإذا كان تاريخ الشعر القديم يتحدث عن ليلى و عفراء و غيرهما، فإن المؤرخ للشعر العربي الحديث سوف يتحدث عن أنثى نزار قباني، التي لا وجود لها خارج القصيدة، إنها من صنع القصيدة ولا وجود لها في الواقع، أو هي القصيدة:

 

اشكري الشعر كثيرا..

أنت، لولا الشعر، يا سيدتي

لم يكن اسمك مذكورا

بتاريخ النساء….

 

يقول الناقد محي الدين صبحي إن نساء نزار قباني في قصائده مخلوقات أبدعتها مخيلته. نساء لا وجود لهن في الواقع ولا وجود لهن في حياته إلا لحظة فكر فيهن وأبدعهن فأحبهن وعاشرهن ونقل لنا حوارا ته معهن ثم تلاشين بمجرد أن انتهى من نظم القصيدة، فهن مجرد موضوع لتشكيل القصيدة.

 

أما الناقد شكري عياد فيؤكد أن نزار قباني قد هيأ لنا مدخلاً جيداً حين ربط بين المرأة والقصيدة إذ أنه قد هيأ لنا بذلك الطريق التي ينبغي أن نسلكها للوصول إلى عالم نصوصه، وأعطانا بنفسه مفتاح العلاقة بين جانبي الأصل الشعوري والشكل الفني اللذين يكونان معاً وحدة التجربة الشعرية، مؤكداً أن هناك صراعاً في داخل التجربة الشعرية بين المرأة والشعر أو بين صورتين للمرأة: الأنموذج المطلق، المثالي، الخالد، للأنوثة واهبة الحياة. والنماذج الكثيرة لنساء يلعب بهن الشاعر. ولا يلبث أن يشعر بالسأم حين يجدهن خاويات، ولذلك يبقى الشعر هو لعبته المفضلة، لكن المأساة تظل قائمة لعجزه عن البلوغ إلى الأنموذج المثالي الخالد للأنوثة المبدعة، وهو فشل مزدوج بين واقع خاو، ومثال مستحيل، ومن ثم يظل البحث عن هذا المستحيل للقبض عليه وأسره هواية الشاعر وهو يعتبر أن المرأة هي القصيدة ولا وجود لها بدون القصيدة مثل قوله وهو ما يؤكد المعني السابق :

 

هل كنت قبل قصائدي موجودة

أم أنني بالشعر، أوجدت النساء؟؟

 

وقد تميز نزار بلغة السهل الممتنع فقد أنجز نزار لغة سماها لغة ثالثة . وهي اللغة التي لا تفقد أصالتها وعذوبتها فكانت لغة قادرة كما يقول نزار قادرة على محاكاة الجميع لقد أسس مدرسة لغوية استطاع الكل أن يدخل صفحاتها ويزين بها دفاتره وأوراقه.

 

وقد استطاع من خلال ديوانه الأول " قالت لي السمراء أن يكسر طوق العزلة الذي فرض علي المرأة حيث أدان المجتمع العربي الذكورى ودافع عن حق المرأة في التعبير عن مشاعرها و حاجاتها .

 

عواطف عبد الحميد